بعد سنوات من الشكاوى المرتبطة بتطاير الحصى والتشققات والحفر والهبوطات في عدد من الطرق الرئيسية والداخلية، وضعت الحكومة ملف الطرق على رأس أولوياتها، وأطلقت عبر وزارة الأشغال العامة أكبر برنامج للصيانة الجذرية وإعادة تأهيل شبكة الطرق في الكويت منذ سنوات.
وتظهر الأرقام الرسمية أن البرنامج الحالي تبلغ قيمته نحو 400 مليون دينار، ضمن 18 عقداً تشمل الطرق السريعة والداخلية في مختلف مناطق البلاد، مع مدة تنفيذ تصل إلى ثلاث سنوات، تتبعها فترة ضمان تمتد خمس سنوات وكفالة عشرية لمدة 10 سنوات.
ومع اقتراب إنجاز عدد من المشاريع، يبرز سؤال يطرحه كثير من المواطنين: كم يفترض أن تعيش الطرق الجديدة بعد انتهاء فترة الضمان؟ وهل ستعود المشكلات السابقة بعد سنوات قليلة، أم أن شبكة الطرق تدخل مرحلة مختلفة من حيث الجودة والعمر التشغيلي؟
وتكشف مصادر لـ«الجريدة» أن الطرق التي تنفذ ضمن عقود الصيانة الجذرية الحالية تخضع لفترة ضمان تمتد خمس سنوات قبل تسليمها نهائياً إلى وزارة الأشغال العامة، التي تتولى بعد ذلك أعمال المتابعة والصيانة الدورية من خلال عقود مخصصة.
لكن المختصين يؤكدون أن فترة الضمان لا تمثل العمر الافتراضي للطريق، إذ يمكن للطريق المنفذ وفق المواصفات الفنية والمعايير الهندسية المعتمدة أن يستمر في الخدمة لفترة أطول بكثير إذا خضع للصيانة الوقائية المنتظمة.
صورة جوية لمشروع إعادة تأهيل شارع القاهرة
الصيانة الجذرية.. ما الفرق؟
خلال السنوات الماضية، ارتبطت معالجة الطرق لدى كثير من المواطنين بأعمال ترقيع الحفر أو إعادة سفلتة أجزاء محدودة من الطريق، وهي إجراءات تندرج غالباً ضمن أعمال الصيانة الدورية.
أما الصيانة الجذرية التي تنفذها وزارة الأشغال حالياً فتختلف بشكل كبير، إذ تشمل إزالة طبقات الرصف المتضررة وإعادة تأهيل طبقات الأساس ومعالجة المشكلات الإنشائية والفنية التي أدت إلى تدهور الطرق، قبل تنفيذ طبقات إسفلتية جديدة وفق مواصفات محدثة تتلاءم مع طبيعة المناخ والبيئة في الكويت.
ووفق ما أعلنته الجهات المعنية عند توقيع العقود، فإن المشروع الحالي يعد الأول من نوعه من حيث الشمول، إذ يغطي صيانة شاملة للطرق السريعة والداخلية في مختلف المحافظات، ما يجعله أكبر برنامج إعادة تأهيل مباشر لشبكة الطرق خلال السنوات الأخيرة.
كم يبلغ العمر الافتراضي للطرق؟
يرى رئيس جمعية المهندسين الكويتية م. محمد السبيعي أن وزارة الأشغال وضعت مواصفات فنية للخلطات الإسفلتية وحددت خططاً للصيانة تتواءم مع الظروف المناخية المحلية، مؤكداً وجود جهود حكومية كبيرة لمعالجة المشكلات المتراكمة التي شهدها هذا القطاع خلال السنوات الماضية.
وفي ما يتعلق بالعمر الافتراضي للطرق، قال مسؤول سابق في وزارة الأشغال العامة إن الطريق يمكن أن يخدم نحو 15 عاماً في حال تطبيق برامج الصيانة الوقائية بصورة منتظمة، بينما قد لا يتجاوز عمره خمس سنوات في حال غياب هذه البرامج أو عدم التدخل المبكر لمعالجة العيوب الفنية والتشققات والحفر عند ظهورها.
وأوضح أن الصيانة الوقائية تعتمد على التدخل المبكر فور ظهور مؤشرات التلف، بينما تأتي الصيانة الجذرية بعد وصول الطريق إلى مرحلة متقدمة من التدهور.
ويعني ذلك أن نجاح مشاريع الطرق الحالية لن يعتمد فقط على جودة التنفيذ، بل أيضاً على استمرار أعمال المتابعة والصيانة الدورية بعد انتهاء فترة الضمان.

شاحنات ثقيلة على الدائري الخامس
الأحمال الثقيلة والحرارة من أبرز التحديات
ويؤكد مسؤولون ومختصون أن الأحمال الزائدة تمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه الطرق في الكويت.
وفي هذا السياق، أوضح مسؤول سابق في وزارة الأشغال أن عدم وجود أوزان مناسبة ومحددة لبعض الطرق يؤدي إلى تسريع تدهور طبقات الرصف، خصوصاً على الطرق التي تشهد حركة كثيفة للشاحنات والمركبات الثقيلة.
وأضاف أن درجات الحرارة المرتفعة تلعب أيضاً دوراً مؤثراً في استهلاك الطبقات الإسفلتية مع مرور الوقت، ما يجعل جودة المواد المستخدمة ودقة التنفيذ عاملاً أساسياً في مواجهة الظروف المناخية القاسية.
لماذا تتلف بعض الطرق مبكراً؟
يرجع المختصون تدهور بعض الطرق قبل بلوغ عمرها التصميمي إلى مجموعة من الأسباب المتداخلة.
ويقول السبيعي إن من أبرز هذه الأسباب ضعف جودة التنفيذ في بعض المشاريع السابقة، وعدم الالتزام الكامل بالمواصفات الفنية، خصوصاً فيما يتعلق بالقشرة الإسفلتية وطبقات الرصف المختلفة، إضافة إلى غياب برامج الصيانة الدورية في بعض الحالات.
كما أشار إلى أن بعض المشكلات ترتبط بالبنية التحتية والخدمات الموجودة أسفل الطرق أو على أكتافها، مثل شبكات الصرف الصحي وممرات الخدمات المختلفة، وهي عوامل يجب أخذها في الاعتبار عند تصميم وتنفيذ أي مشروع طريق.
وأضاف أن من بين الأخطاء الفنية التي شهدتها بعض المشاريع في السابق عدم معالجة طبقات الأساس بالشكل المطلوب، وقلة اختبارات الجودة، وضعف تنفيذ أعمال الربط بين الطبقات المختلفة، إلى جانب الاكتفاء أحياناً بمعالجة الأعراض الظاهرة للتلف دون معالجة أسبابه الجذرية.

طريق السالمي قبل وبعد تنظيفه من السافي وفرش طبقة أسفلت جديدة
مؤشرات إيجابية في المشاريع الحالية
ويشير السبيعي إلى وجود اهتمام واضح بتجاوز الأخطاء الفنية التي وقعت في مشاريع سابقة، مؤكداً وجود مؤشرات إيجابية في عدد من مشاريع الصيانة الجذرية الحالية من حيث جودة التنفيذ والالتزام بالمواصفات الفنية المعتمدة.
وأضاف أن المهندسين العاملين في مواقع العمل يدركون الأخطاء التي شهدتها بعض المشاريع في الماضي، الأمر الذي يساعد على تفادي تكرارها وتحسين جودة التنفيذ مستقبلاً.
كما شدد على أهمية استمرار تطوير وتأهيل الكوادر الهندسية الوطنية والاستفادة من التقنيات الحديثة مثل أنظمة الرصد الذكية والمسح الرقمي وتطوير الخلطات الإسفلتية بما يتناسب مع البيئة المحلية.
الرقابة والشفافية
وفي ما يتعلق بجودة المشاريع، أكد السبيعي أن هناك جهوداً رقابية قائمة بالفعل لمتابعة الالتزام بالعقود والمواصفات الفنية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية تعزيز الرقابة الميدانية وزيادة مستويات الشفافية وتطبيق مبدأ المساءلة على جميع الأطراف المشاركة في تنفيذ المشاريع.
وأضاف أن تحقيق أفضل النتائج لا يرتبط بحجم الإنفاق فقط، بل بكفاءة الإدارة والرقابة وسرعة اتخاذ القرار، إلى جانب اختيار الشركات المنفذة على أساس الكفاءة الفنية والخبرة وسجل الأداء السابق، وليس وفق الاعتبارات المالية وحدها.
مشروع للتنبؤ بأعطال الطرق لم يرَ النور
وفي سياق تطوير إدارة شبكة الطرق، كشف مسؤول سابق في الهيئة العامة للطرق أن الهيئة كانت تمتلك مشروعاً يهدف إلى استخدام أجهزة وتقنيات متخصصة للتنبؤ بحالة الطرق وتحديد احتياجات الصيانة قبل ظهور المشكلات بشكل واضح.
وأوضح أن المشروع لم يدخل حيز التنفيذ رغم ما كان يمكن أن يحققه من فوائد كبيرة في مجال إدارة وصيانة الطرق، وتقليل كلفة الإصلاحات المستقبلية، وإطالة العمر التشغيلي للشبكة.
أكثر من 2.6 مليون مركبة على الطرق الكويتية
وتأتي هذه التحديات في وقت تواصل فيه أعداد المركبات المسجلة في الكويت ارتفاعها.
فوفق النشرة السنوية لإحصاءات النقل والمواصلات لعام 2024، بلغ عدد السيارات والدراجات النارية العاملة في الكويت نحو 2.609 مليون مركبة بنهاية العام، بزيادة 86.3 ألف مركبة مقارنة بعام 2023.
وتشكل السيارات الخاصة نحو 80.6 في المئة من إجمالي المركبات العاملة في البلاد، بإجمالي يتجاوز 2.1 مليون سيارة، ما يعكس حجم الضغط المتزايد على شبكة الطرق والحاجة المستمرة إلى برامج صيانة فعالة ومستدامة.
الأمطار عامل مؤثر.. لكنها ليست السبب الوحيد
ويؤكد المختصون أن غزارة الأمطار خلال فترات قصيرة قد تؤثر على طبقات الأسفلت نتيجة الضغط على شبكات تصريف المياه وتجمع المياه في بعض المواقع.
لكنهم يشددون على أن الأمطار تمثل عاملاً مسرعاً للتلف أكثر من كونها سبباً رئيسياً له، إذ يتداخل تأثيرها مع جودة التنفيذ والأحمال المرورية والعوامل المناخية وبرامج الصيانة.
وبينما تمتد فترة ضمان مشاريع الصيانة الجذرية الحالية إلى خمس سنوات، تشير المعطيات الفنية إلى أن الطريق يمكن أن يخدم نحو 15 عاماً إذا استمرت العناية به وفق برامج الصيانة الوقائية المناسبة.
وبالتالي فإن الاختبار الحقيقي لمشاريع الطرق الحالية لن يكون عند افتتاحها فقط، بل في قدرتها على الصمود خلال السنوات المقبلة ضمن منظومة صيانة مستدامة ورقابة مستمرة تضمن الحفاظ على جودة الشبكة التي يجري تطويرها اليوم.